تشرح راما يادي أنّ العالم بدأ يستيقظ ببطء شديد على حجم المأساة الدائرة في السودان، بعدما نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة تروث قوله إن السودان "أصبح أكثر مكان عنيف على وجه الأرض"، وإنه ناقش مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان احتمال تدخّل واشنطن لوقف ما يحدث. تتعامل واشنطن مع نزاع تحاصره التعقيدات، خصوصًا أنّ طرفي الحرب يحصلان على دعم من شركاء أمريكيين متناقضين.
تشير الكاتبة إلى أنّ أتلانتيك كاونسل رصدت تحوّلًا مهمًا في 27 أكتوبر هذا العام، بعد سنتين ونصف من الحرب الأهلية، عندما أدرك المجتمع الدولي أخيرًا أنّ إبادة جماعية تتكشف أمامه مباشرة. حاصرت الطائرات المسيّرة مدينة الفاشر لأشهر طويلة، وبعد انهيار خطوط الدفاع دخلت قوات الدعم السريع آخر مدينة كبرى خارج سيطرتها في شمال دارفور. ظهر حجم الفظائع سريعًا عبر التسجيلات والصور: نحو 1500 قتيل، 90 ألف نازح، و50 ألف فارّ من كوردفان شمالًا وجنوبًا.
أخطر أزمة إنسانية في العالم
يتعمّق الجحيم السوداني بينما تستمر الأنظار منصبّة على أوكرانيا والشرق الأوسط. تقديرات الضحايا تتفاوت بسبب انهيار المؤسسات، لكن منظمات حقوقية ترجّح أنّ أعداد القتلى تصل إلى ما يتجاوز 150 ألف شخص. ينزح نحو 14 مليون سوداني من أصل 51 مليونًا، نصفهم عبر الحدود. وتواجه 25 مليون نسمة مجاعة حادة، فيما يعاني أكثر من 70% من الأطفال دون الخامسة من سوء تغذية شديد. بين الفارين من الفاشر وحدها، وصلت نسبة سوء التغذية الحاد إلى 35%.
تُدمَّر المستشفيات وشبكات المياه، وتزداد الكارثة اتساعًا لدرجة أنّ بعض الخبراء يعتبرونها أخطر من أزمات غزة وأوكرانيا. وترى الكاتبة أنّ الفاشر ليست بداية جديدة للعنف، بل امتداد مباشر لمسار طويل من الإبادة.
تسمية الإبادة وذاكرة دارفور
تُسجّل منظمات حقوقية ممارسات قوات الدعم السريع باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية: اختطاف أطفال، اغتصاب جماعي، استعباد جنسي، وحرق قرى. ترجع جذور العنف إلى بدايات الألفية عندما شنّت ميليشيا الجنجويد، سلف الدعم السريع، حملات قتل واغتصاب ونهب واسعة بين 2003 و2008 ضد قبائل غير عربية. قتل عناصرها مئات الآلاف وشرّدوا نحو ثلاثة ملايين، بينما وصف الرئيس الأمريكي جو بايدن ما حدث بـ"الإبادة"، واعتبرته جهات دولية "تطهيرًا عرقيًا".
توضح الكاتبة أنّ قبائل الزغاوة، الأكثر حضورًا في الفاشر، انحازت للجيش أواخر 2023 بعد المذابح التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المساليت وغيرهم في الجنينة. وثّقت "هيومن رايتس ووتش" هذه الجرائم كتطهير عرقي، بينها شهادة صادمة لفتى في السابعة عشرة روى قتل 12 طفلًا و5 بالغين، وكيف جرى رمي الجثث في النهر.
تواطؤ إقليمي وصمت دولي
يُعلّق الاتحاد الإفريقي ببيانات باهتة تدعو لوقف إطلاق النار، دون إرسال وفد رفيع أو زيارة مواقع المجازر. تعلن منظمة العفو الدولية أنّ العالم لم يقدّم سوى 6.6% من تمويل الإغاثة المطلوب. وتتكرر التوصيات حول تشديد حظر السلاح وزيادة المساعدات ومحاسبة الجناة، لكن تبقى نقطة واحدة مطموسة عمدًا: الدعم العسكري الذي يحصل عليه الطرفان من قوى إقليمية نافذة.
تتداخل مصالح مصر وإيران وتركيا والصين والإمارات وروسيا وأوكرانيا في السودان. تضخ هذه الدول أسلحة وطائرات مسيّرة ومرتزقة واستخبارات، بينما تنفي ضلوعها. تتنوع دوافعها بين مياه النيل، والسيطرة على ساحل السودان الأحمر بطول 800 كيلومتر، والوصول إلى معادن الشرق. ويتهم السودان تشاد وكينيا كذلك بالتورط. وخلال مؤتمر لندن حول السودان في أبريل، كرّر وزير الخارجية علي يوسف اتهاماته لتلك الدول. تزداد بذلك صعوبة أي وساطة، ويفكّر السودان في اللجوء لمحكمة العدل الدولية لمقاضاة الإمارات لدعمها قوات الدعم السريع.
الشعب هو الحل الممكن
تصف الكاتبة السودان بأنه عالق داخل لعبة جيوسياسية خطيرة تهدد بتقسيمه، ما يخلق فوضى جديدة في القارة الإفريقية ويمحو تراثه الثقافي الفريد. وترى أنّ المخرج الحقيقي يبدأ من المجتمع المدني السوداني، لا من القوى الخارجية. يملك السودان ذاكرة مقاومة ممتدة لقرون، من موقعه الجغرافي المتشابك بين الساحل والقرن الإفريقي، ومن جذوره الإفريقية العميقة التي حاول نظام البشير طمسها لعقود.
يُظهر التاريخ أنّ الشعب السوداني قادر على قلب المعادلات، كما فعل في 2019 عندما أسقط عمر البشير عبر قوى نقابية ومدنية وحركات شبابية مثل "قرفنا" و"تجمّع المهنيين". وتعتبر الكاتبة أنّ تفعيل طاقة هذه القوى الشعبية يمنح السودان أفضل فرصة للاستقرار، وأن أي مسار دبلوماسي يجب أن ينطلق منها، لا أن يتجاهلها داخل دهاليز الصفقات الإقليمية.

